حبيب الله الهاشمي الخوئي
316
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( وقد اختبرهم اللَّه بالمخمصة ) والجوع ( وابتلاهم بالمجهدة ) والمشقة ( وامتحنهم بالمخاوف ) والأهاويل ( ومخضهم ) أي حركهم وزلزلهم ، أو خلَّصهم وطهّرهم إن كان من التمحيص ( بالمكاره ) والشدائد . ولما ذكر عليه السّلام محبوبية التواضع للَّه سبحانه ومكروهية التكابر له تعالى واتّصاف أنبيائه وملائكته المقرّبين مع مكانتهم لديه ومرضيّين عنده بوصف التواضع والتذلل والجوع والفقر والمسكنة فرّع عليه قوله : ( فلا تعتبروا الرّضا والسخط بالمال والولد ) أي إذا عرفتم أنّ رضى اللَّه عن أنبيائه وأوليائه بمالهم من الذلّ والجهد والمشاق ، فلا تجعلوا رضاه منوطا بزهرة الحياة الدّنيا من الأموال والأولاد وسخطه منوطا بعدمها ( جهلا بمواقع الفتنة ) والابتلاء ( والاختبار في مواضع الغنى ) والفقر ( والاقتار ) أي لا تجعلوا المال والولد علامة الرضا وعدمهما دليلا على السّخط من أجل جهلكم بمواقع الامتحان في مواضع الثروة والفقر ، إذ ربما يكون الابتلاء بالفقر والمسكنة لأجل النيل إلى مقام الزلفي لا من جهة السّخط كما في حقّ الأولياء المقرّبين من الأنبياء والمرسلين ، ويكون الابتلاء بالمال والثروة للاستدراج والازدياد في المعصية لا من جهة الرضى كما يشهد به الكتاب الكريم . ( ف ) قد ( قال ) اللَّه ( تعالى ) في سورة المؤمنين * ( ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِه ِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) ) * أي أيحسبون أنّ الذي أمددناهم به تعجيل لهم في الخير . قال في الكشاف : المعنى أنّ هذا الامداد ليس إلَّا استدراجا لهم إلى المعاصي واستجرارا إلى زيادة الاثم وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات وفيما لهم فيه نفع وإكرام ومعاجلة بالثواب قبل وقته كما يفعل بأهل الخير من المسلمين وقوله : بل ، استدراك لقوله : أيحسبون ، يعنى هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور حتّى تأمّلوا ويتفكَّروا أهو استدراج أو مسارعة في الخير . فقد ظهرن ذلك أنّ الامداد بالمال والبنين والبسط في الرّزق قد يكون نقمة